علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
199
البصائر والذخائر
علم لهم به ، فكان عجزهم عن لحوقهم لحوقا ، وجهلهم ما يستحيل تصويره « 1 » علما ، ووقوفهم عند نهاياتهم تعبّدا ، وبحثهم عما وراء ذلك اجتراء ، وسؤالهم عما طوي عنهم فضولا ، وتشكّكهم بعد البرهان « 2 » خذلانا ، وسكونهم إلى الظنّ خسرانا ، وتصريفهم القول فيه بهتانا . أتراك لا تعرف « 3 » حقيقته ولا تعقل « 4 » صفته إلّا بعد أن تكون موسوما بسماتك ومردودا إلى أحكامك ؟ هيهات ، إنه لو قبل نعتا « 5 » من نعوتك لكان خلقا مثلك ولم يكن خالقا لك « 6 » ، وإنما وجب أن يترقّى عنك وعن صفاتك لأنه فاعلك وفاعلها ، فكيف يستعير وصفك وهو غنيّ عنك « 7 » ؟ أم كيف يشبهك وهو بعيد منك ؟ أم كيف يهتدي عقلك إليه وعقلك خلق مثلك ، وهو مبتلى بمثل عجزك ومرميّ بقصور غايتك ؟ وهل استفدت عقلك المضيء إلّا منه « 8 » ؟ وهل وجدت لسانك المبين إلّا عنده ؟ وهل لجأت في النوائب إلّا إليه ؟ أغرّك منه إحسانه إليك ، وإنعامه عليك ، ورفقه بك ، ودعاؤه لك ، ومناجاته إياك ؟ الزم حدّك ، وارجع إلى صفتك ، واقض حقّ عبوديتك ، واطلب المزيد بامتثال الأمر ، وتسكين النفس ، ورعاية ما هو متصل منه بك ، وثابت له « 9 » عندك ، فلو قد سألك عنك - على قربك منك - لظهرت فضيحتك لشائع « 10 » جهلك ؛ ولو طالبك بما له عليك لقيّدك العيّ عن
--> ( 1 ) ص : بما . . . تصوره . ( 2 ) ص : البراهين . ( 3 ) ص : تعقل . ( 4 ) ص : تعرف . ( 5 ) ص : بنعت . ( 6 ) ولم يكن خالقا لك : زيادة من م . ( 7 ) وعن صفاتك . . . عنك : سقط من م . ( 8 ) ص : به . ( 9 ) له : زيادة من م . ( 10 ) ص : وشاع .